محمود سالم محمد
53
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
عين من تندبين بعد نبيّ * خصّه اللّه ربّنا بكتاب « 1 » أما التأبين فهو أدنى إلى الثناء منه إلى الحزن الخالص ، وهو تصوير لخسارة الناس في كبير ، « ومن هنا كان التأبين ضربا من التعاطف والتعاون الاجتماعي ، فالشاعر فيه لا يعبّر عن حزنه هو ، وإنما يعبّر عن حزن الجماعة ، وما فقدته في هذا الفرد المهم من أفرادها ، ولذلك يسجل فضائله ويلحّ في هذا التسجيل ، وكأنه يريد أن يحفرها في ذاكرة التاريخ حفرا ، حتى لا تنسى على مرّ الزمن » « 2 » ، ويقرب من هذا التحديد قول كعب بن زهير « 3 » في رثاء النبي الكريم : فجعنا بخير النّاس حيّا وميتا * وأدناه من ربّ البريّة مقعدا وأفظعهم فقدا على كلّ مسلم * وأعظمهم في النّاس كلّهم يدا لقد ورثت أخلاقه المجد والتّقى * فلم تلقه إلّا رشيدا ومرشدا « 4 » وهكذا يظهر لنا أن الشعر الذي يقال في ميت يسمى رثاء ، لكنه في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مديح . وكأن في ذلك ما دلّ على أنه موصول الحياة ، لأن شريعته لا زالت حيّة ، ويمكن أن يكون ما يقال في الميت مدحا إذا كان ذلك بعد الموت بزمن طويل ، أما إذا قيل عقب الموت فهو رثاء ، وإن التقت المعاني ، وتشابهت ، وكذلك الأمر في مضمون الشعر الذي يقال في الميت ، فإذا غلب عليه التفجّع والأسى والبكاء يظل رثاء ، وإن تطاول به الزمن ، أما إذا كان ثناء محضا وإشادة خالصة ، وذكرا للفضائل ، فإنه يقرب من المديح ويكون في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مديحا لا غير .
--> ( 1 ) ابن سعد : الطبقات الكبرى 2 / 329 . ( 2 ) ضيف ، شوقي : الرثاء ص 6 . ( 3 ) كعب بن زهير بن أبي سلمى ، شاعر مخضرم ، أهدر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دمه فجاءه مستأمنا ، ومدحه بلاميته المشهورة ( بانت سعاد ) ، فعفا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عنه وخلع عليه بردته ، توفي سنة 26 ه . ابن سلام : طبقات الشعراء ص 67 . ( 4 ) ديوان كعب بن زهير ص 198 .